الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

116

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ إلخ معطوفة على صلة الموصول بفاء التفريع ، أي الذي أنزل اللّه لكم فجعلتم منه . والاستفهام في آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ مفعول ثان ل ( رأيتم ) ، ورابط الجملة بالمفعول محذوف ، تقديره : أذنكم بذلك ، دل عليه قوله : فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا . و قُلْ الثاني تأكيد ل قُلْ الأول معترض بين جملة الاستفهام الأولى وجملة الاستفهام الثانية لزيادة إشراف الأسماع عليه . وهي معادلة بهمزة الاستفهام لأنها بين الجملتين المعمولتين لفعل أَ رَأَيْتُمْ . وفعل الرؤية معلق عن العمل في المفعول الثاني ؛ لأن الأصح جواز التعليق عن المفعول الثاني . وزعم الرضي أن الرؤية بصرية . وقد بسطت القول في ذلك عند قوله : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ الآية في سورة الواقعة [ 58 ، 59 ] . و أَمْ متصلة وهي معادلة لهمزة الاستفهام لأن الاستفهام عن أحد الأمرين . والرزق : ما ينتفع به . وتقدم في قوله تعالى : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ في سورة البقرة [ 3 ] وفي قوله : أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ في الأعراف [ 50 ] . وعبر عن إعطاء الرزق بالإنزال ؛ لأن معظم أموالهم كانت الثمار والأعناب والحبوب ، وكلها من آثار المطر الذي هو نازل من السحاب بتكوين اللّه ، فأسند إنزاله إلى اللّه بهذا الاعتبار ، ومعظم أموالهم الأنعام ، وحياتها من العشب والكلأ وهي من أثر المطر ، قال تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [ عبس : 24 ، 32 ] . وقال : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ [ الذاريات : 22 ] أي سبب رزقكم وهو المطر . وقد عرف العرب بأنهم بنو ماء السماء . وهو على المجاز في كلمة ( بني ) لأن الابن يطلق مجازا على الملازم للشيء . وقد عبر عن إعطاء الأنعام بالإنزال في قوله : وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [ الزمر : 6 ] بهذا الاعتبار . والمجعول حراما هو ما حكى اللّه بعضه عنهم في قوله : وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وقوله : وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا في سورة الأنعام [ 138 ، 139 ] . ومحل الإنكار ابتداء هو جعلهم بعض ما رزقهم اللّه حراما عليهم . وأما عطف